البحث عن التاريخ والمعنى في الدين (ميرتشيا إلياده) – أحمد تموز

البحث عن التاريخ والمعنى

في الدين

فينومينولوجيا الظاهرة الدينية بحسب ميرتشيا إليادِه

أحمد تموز*

صدر عن "المنظمة العربية للترجمة" – التي لم يعوِّدنا الطاهر لبيب، مديرها العام، إلا على ترجمات ممتازة لكتب ممتازة من التراث الفكري العالمي، الكلاسيكي والمعاصر، – كتابُ ميرتشيا إليادِه البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، بترجمة وتقديم سعود المولى[1].

histoire_sens_religion

وميرتشيا إليادِه (1907-1986) هو عالم أديان روماني عصامي كبير، ابتدأ روائيًّا[2]، ثم عزف عن كتابة الرواية لينصرف بكليته إلى دراسة الظاهرة الدينية، في بُعديها الجمعي والفردي، فصرف مدة في الهند دارسًا طُرُق اليوگا عن كثب[3]، ثم غادر فرنسا (التي حصل على جنسيتها وطور فيها نظرياته وتمكن من منهجيته البحثية) إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، باحثًا وأستاذًا في جامعة شيكاگو، حيث قدَّم إسهاماته الحاسمة في تطور علوم الأديان وتاريخها. وقد دعا إليادِه، عبر مؤلفاته الكثيرة، إلى "مذهب إنساني جديد" وإلى "نهضة جديدة" في تاريخ الأديان تأخذ في الحسبان ثقافة الإنسان الشاملة التي هي ثقافة الإنسان العالمي.

ويرى المترجم أنه بقدر ما كانت ممتعة ومثيرة، علميًّا وثقافيًّا، ترجمةُ هذا الكتاب فهي ممتعة ومثيرة، علميًّا وثقافيًّا، قراءتُه وكذلك النقاشُ معه وحوله. فنصوص إليادِه هي مما يغري بهذا وتلك، وهي من "السهل الممتنع" الذي يتطلب جهدًا وتدقيقًا وتركيزًا؛ إذ يقدم فيها المؤلف مادة غزيرة تفتح شهية القارئ المهتم للظاهرة الدينية، بل ونَهَمه أيضًا. وعلى الباحث والمهتم كليهما ركوب مركب البحث والتقصي طلبًا للاستزادة والتعمق إن أمكن. فالقراءة هنا، كما الترجمة، هي كدح وجهد. ذلك أن متابعة أفكار إليادِه ونظرياته وموضوعاته ودراساته الكثيرة والغنية تستوجب إحاطة موسوعية بالأديان – حاضرها وغابرها – وتستلزم معرفة صحيحة بمحاولات الدراسات المقارنة في تاريخ الأديان وفروعها وفي الفلسفات والمذاهب، كما وفي الفينومينولوجيا والأنثروپولوجيا وعلم النفس وفقه اللغة. وهذه المعرفة هي مما سوف يسعى إلى اكتسابه قارئ هذا الكتاب إذا ما استجاب لدعوة المؤلف إياه إلى عدم التوقف عند أفكاره وإلى استكمال البحث والكدح لتحصيل المزيد من المعرفة والفهم.

ميرتشيا إليادِه

لقد ترجم مترجمون (سوريون) عدة لميرتشيا إليادِه[4]، حتى "صار اسمُه علمًا في بلادنا"، كما يقول المترجم، يستشهد به علماء الاجتماع والأنثروپولوجيون؛ إلا أنه لم يصل بعدُ إلى فئة الطلاب والدارسين والمتعلمين من العصاميين الذين كان إليادِه أنموذجًا فذًّا لهم في حياته وأعماله التي تركها لنا. لذا يحاول المترجم إيصال "رسالة" إليادِه إلى مَن يهمه أمر الأديان في العالم العربي اليوم من خلال تقديمه للكتاب، متبعًا في ذلك أساليب القدماء (من نحو عبد الرحمن بدوي) في التقديم والتصدير، حيث يبدأ بالتعريف بالكاتب وأعماله، ثم يعرض لعلوم الأديان المقارنة ومنزلة ميرتشيا إليادِه منها، متناولاً أهم ما جاء به من أفكار وثيمات في علم الأديان وتاريخها، لكي ينتهي بكلمة حول هذه الترجمة والترجمات التي نُشِرتْ له حتى الآن.

أما المقارنات التي يعقدها د. المولى والاستنتاجات والإسقاطات التي يسوقها حول الإسلام والمسيحية في شرقنا العربي فهي، في رأينا، مما لا يحتمله تصدير كتاب مترجَم، بل يفضَّل أن يكون بحثًا مفردًا مستقلاً يتحمل صاحبه المسؤولية عنه فيما يرتئيه في دراسته الشخصية للأديان الحية.

يستعمل إليادِه مصطلح "تاريخ الأديان المقارن" للتعريف بفرعه المعرفي الجديد وبمنهجيته في العمل؛ وهو تعريف يشمل الميدان الذي كان يغطيه ما كان يُعرف بالألمانية باسم "الدراسة الشاملة للعلم العام بالأديان" أو ما بات يُعرَف اليوم، بحسب الجامعات، بـ"الدراسة العامة للأديان" أو "علم الأديان" أو "تاريخ الأديان" وما إلى ذلك. وقد وقف الكثيرون من مؤرخي الأديان موقفًا معارضًا مما يُسمَّى "التاريخ المقارن للأديان"، معتبرين أنه ليس "تأريخًا" historiography بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ينتمي إلى مجال اللاهوت والفلسفة أكثر منه إلى العلم الصحيح. أما إليادِه فقد استنكر من جانبه ما أسماه بـ"الاختزالية التاريخاوية" historicist reductionism لدى المؤرخين الذين ينكرون على الظواهر الدينية معناها وغاياتها الأصلية ومقاصدها. وقد اعتبر إليادِه أن "تاريخ الأديان"، بالمعنى العلمي المعاصر، ابتدأ مع العالم الألماني ماكس موللر الذي كانت له الريادة في هذا الحقل، خصوصًا أنه كان أول مَن شدَّد على ضرورة أن يكون الفرع المعرفي الجديد وصفيًّا وموضوعيًّا وعلميًّا ومجردًا من أي اعتبار معياري أو قيمي ذي صلة بلاهوت الأديان وفلسفتها.

من جهة أخرى، اهتم إليادِه بزاوية النظر الجديدة التي قدَّمها "علم نفس الأعماق" depth psychology لفهم الظاهرة الدينية. وقد قارن في مؤلَّفه بين إسهامات كلٍّ من فرويد (التحليل النفسي) ويونگ (علم النفس التحليلي) في فهم الدين، مفضلاً الثاني ومعتبرًا الأول "شخصية انتقالية" لا يزال فكرُها عالقًا بالقرن التاسع عشر، بكل ما به وله من منهجيات ونزعات وضعية positivist وعلموية scientistic وعقلانية rationalistic مفرطة وإسقاطات سلبية حول تطور الأديان، ومن اختزالية reductionism تقدِّم في تفسير الرمزية الدينية تفسيرات بدائية وسطحية (جنسية بحتة في حالة فرويد).

ميرتشيا إلياده في حديث مع كارل يونگ في أثناء أحد لقاءات إيرانوس السنوية التي كانت تجمع خيرة العلماء للتباحث في الظاهرة الدينية

ينطلق إليادِه، كغيره من مؤرخي الأديان، من مبدأ ينظر إلى الدين باعتباره يقوم على افتراض وجود تجربة دينية أو "اختبار روحي" يخوضه ويعيشه "الإنسان الديني" Homo religiosus. وسواء كانت التجربة اختبارًا للمقدس/الحرام أم للقوة القاهرة العلية القادرة، فإنها تشكل القوام الذي تتكون منه كل ظاهرة دينية. وبحسب تعبير إليادِه، فإن أفضل أنواع الامتياز والفخر التي ينالها مؤرخ الأديان هو بالضبط الجهد الذي يبذله في فك شيفرة لغز واقعة دينية مشروطة بلحظتها التاريخية وبالنمط الثقافي المميِّز لعصرها وفي فهم الوضع الوجودي الذي جعلها ممكنة الوقوع.

ولقد دافع إليادِه عن النظرية القائلة بأن الفكر الديني يرتكز عمومًا على ذلك التمييز القاطع بين "مقدس/حرام" sacred وبين "دنيوي/دهري" profane. ذلك أن المقدس عنده هو تجلِّي الإله، الذي هو مناط الحقيقة والقيمة والمعنى، في حين أن الأشياء الأخرى كلها لا تكون حقيقية أو ذات قيمة إلا من خلال مشاركتها "في" المقدس أو "معه". بذا يتمحور فهم إليادِه للدين حول مفهومه عن "تجلِّي المقدس" وظهوراته الكشفية التي يرى أنها هي التي تضفي على العالم الدنيوي قصدًا ومعنًى ومبنًى (بنية)، وذلك بإقامتها لـ"نظام مقدس" sacred order ينتظم نشاطات الحياة الإنسانية كافة.

ويشير المترجم إلى أن من الثيمات التي تتكرر عند إليادِه في دراسته للأسطورة مقولة "محور العالم" axis mundi أو "المركز الكوني" cosmic center؛ وهي مقولة ملازمة بالضرورة للتقسيم إلى مقدس ودنيوي. فالمقدس يتصف بالقيمة كلها، ولا يتوصل العالم إلى أن يكون ذا معنى وقصد إلا من خلال اختبار تجليات المقدس أو ظهوراته الكشفية، الجمعية والفردية. غير أن "الإله الأكبر" المحتجب، فيما يتعدى هذه التجليات والظهورات، هو ثيمة أساسية عنده أيضًا[5].

ويقول المترجم إنه حاول في هذه الترجمة أن يستفيد من تراث علم الأديان المقارن وتاريخ الأديان وظاهراته، كما تبلور على يد إليادِه، دون أن يغفل ما له علاقة بالتراث الإسلامي، أكان لجهة دقة المصطلح والتعبير وانطباقه على ما هو مألوف في ثقافتنا أم لجهة إعادة فتح الباب أمام تطوير علم الأديان المقارن الذي كان قد استهله العلماء المسلمون الأوائل، من أمثال الشهرستاني في كتابه الشهير الملل والنحل. وقد استفاد أيضًا من أعمال وكتابات زملاء له كانوا سباقين إلى مقاربات عربية مستقلة ونقدية.

من أعمال إليادِه أيضًا، بالإضافة إلى عمله الشامل تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية (في ثلاثة مجلدات)، المترجَم ترجمة رديئة إلى العربية، دراسته المرجعية البديعة عن الشمنية وتقنيات الوجد الصوفي القديمة (1951)، وكذلك دراسته عن الأساطير والأحلام والأسرار (1957)، اللتين نأمل أن يترجمهما د. المولى قريبًا. أما آخر أعماله فهو إشرافه على تحرير موسوعة الدين الضخمة الصادرة عن جامعة شيكاگو، فضلاً عن قاموس الأديان (1990)، وهو درة صغيرة وضعها بالاشتراك مع تلميذه المرموق يُوان پ. كوليانو ونُشِرتْ بعد وفاته.


* كاتب سوري مهتم بفلسفة الدين والتصوف؛ يكتب في مجلة معابر: www.maaber.org.

[1] ميرتشيا إليادِه، البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، بترجمة وتقديم سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، 410 ص.

[2] رواياته ثلاث: الليلة البنگالية – مايتريي (1933)، الهوليگان (1935)، منتصف الليل في سرامپور (1939).

[3] نشر إليادِه حصيلة بحثه أولاً في كتابين: اليوگا: مقالة في أصول التصوف الهندي (1936) وتقنيات اليوگا (1948)، جمع بينهما لاحقًا في كتاب شامل صار مرجعًا للباحثين في الموضوع: اليوگا: خلود وحرية (1954).

[4] أول مَن اهتم لنقل ميرتشيا إليادِه إلى العربية هو الأستاذ نهاد خياطة: أسطورة العود الأبدي (1949)، دار طلاس، دمشق، طب 1: 1987؛ المقدس والدنيوي: رمزية الطقس والأسطورة (1956)، دار العربي، دمشق، طب 1: 1987؛ مظاهر الأسطورة (1963)، دار كنعان، دمشق، طب 1: 1991.

[5] من الثيمات الأساسية الأخرى في فكر إليادِه ثيمة "الزمن البدئي" الذي تهدف الأساطير والشعائر إلى "تحيينه" actualize في الزمن التاريخي. ستكون لنا عودة إلى الموضوع في قراءة مستقلة لكتابيه أسطورة العود الأبدي والمقدس والدنيوي.